عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

36

قاب قوسين وملتقى الناموسين في معرفة سيد الكونين

وتقرير هذا الكلام : إنه لو تحقق مثلا ألف نبي أو ولي كامل بالحقيقة النوريّة حتى صار كل منهم نورا مطلقا ، ثم أطلقت اسمه « النور » « 1 » لم يقع هذا الاسم إلا عليه ، ولم تسبق

--> ( 1 ) فكان صلى اللّه عليه وسلم النور الأول قال صلى اللّه عليه وسلم : « أنا الذي خلق اللّه أوّل كلّ شيء من نوري ، فسجد ، فبقي في سجوده سبعمائة عام » ، وكان كلّ شيء من نوره من النيرات اللطائف ، أو من غير ذلك من الكتائف ، كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « إنّ اللّه خلق العرش من نوري ، والكرسيّ من نوري ، واللّوح من نوري ، والشمس والقمر من نوري ، والعقل الذي في رؤوس الخلائق من نوري ، ونور الإيمان من نوري ، ونور المعرفة التي في قلوب المؤمنين من نوري » . فهذه السبعة الأنوار الجامعة للملك والملكوت والقلوب والأعين إنما هي من نوره ، فكلّ منير منه ، فأنوار ذلك المنير أحمديته صلى اللّه عليه وسلم في كلّ ذات منها مسرى وموقع يبدو في أتمّه ، ويضيء في قلبه ؛ إذ لكلّ شيء قلب ، وكما أن جميع النيران ظاهرها وباطنها من نوره فأحمديته كائنة فيها ، قائمة عليها ، داعية لها إليها ، فهو رسول لها منها ، يجدها كلّ شيء منها في وجوده ، ويسمع بما منه فيه عند تبليغه في ظاهر يوم ختمه ، فلذلك سائر الموجودات ناشئة من نوره ، بما أن كلّ شيء من المواليد والأركان من الماء ، الذي هو من الدرة ، التي هي من الضبابة ، التي أنشئت من نوره ، كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « آدم من تراب ، والتراب من الزبد ، والزبد من الموج ، والموج من الماء ، والماء من الدرة ، والدرة من الضبابة ، والضبابة أنشئت من نور محمد صلى اللّه عليه وسلم » ، ففي كلّ كائن كثيف أو لطيف نوريته . والنور : هو البادي في نفسه المبدي لغيره ، والأمم : جمع أمّة ، وهي الطائفة القاصدة لمأمّ : أي مقصد يقصده ؛ ليهتدي به مما أحست به من ضلال مسلكها ، وأن اللّه عزّ وجلّ كما ورد : خلق الخلق في ظلمة ، وظلمة الخلق ذواتهم وإحساسهم بأنفسهم ، تلك ظلمتهم التي طمست عنهم الوجد بربّهم ، ثم تضاعفت عليهم ظلم ذواتهم دركة دركة إلى أسفل سافلين وإلى أطباق سجين ، بحيث صارت أدنى الظلمتين طمسا أهونهما بما يداخل أدنى الظلمتين من نور يظهر ظلمه أشدهما ، وكل نور يظهر ذاتا من ذوات الخلق ؛ فهو بما يظهر نور ، وبما هو دون إرائه الحق وإظهار نور اللّه ظلمة . قال تعالى : هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً [ يونس : 5 ] . فهو نور بما يظهر من طمس الظلمة ، وهو ظلمة بما هو باد من بوادي الخلق ، حجاب من دون نور الحق . قال صلى اللّه عليه وسلم لعائشة رضي اللّه عنها وقد نظرت القمر : « استعيذي باللّه من شرّه ؛ فإنّه الغاسق إذا وقب » ، فكلّ باد من الخلق ظلمة بوجه ما إلا محمدا صلى اللّه عليه وسلم وآله ؛ فهو نور لكل من أمّه من الأمم بما أبدى اللّه به من نوره وطمس مما سواه ، حتى شهد ببطل ما خلا اللّه ، وبمحو الكفر الذي تغطيته هي الظلمة التي محاها نوره ، فهو نور الأمم الذي لا يبقي لمن آمن به ظلمة من وراء نوره ، وذلك بما هو النور -